تعليق أو كلام قصير أو طويل. تكفي نظرة واحدة إليها كي نشعر أن العالم، في تلك اللحظة، توقف أمام عدسة صغيرة. وقد تفعل صورة واحدة ما تعجز عنه مئات الصفحات، فتهزّ ضميرا وتفضح حربا وتحفظ مأساة... وتمنح إنسانا مجهولا مكانا في ذاكرة البشرية.
إن التصوير الفوتوغرافي ليس دائما فنا لتجميل الواقع، أحيانا يكون درسا يعلمنا شجاعة النظر إلى الواقع كما هو. لهذا يحتفل اليوم السابع باليوم العالمى للتصوير يوم 19 أوت من كل عام.
في بدايات القرن التاسع عشر، كانت البشرية لا تزال ترسم وجوهها وبيوتها ومدنها بالفرشاة... ثم جاءت الكاميرا، لتقترح على الإنسان توثيق اللحظة ضد الموت والنسيان.
في عام 1826، نجح الفرنسي نيِسفور نييبس في إنتاج واحدة من أقدم الصور الفوتوغرافية المعروفة، بعد تجربة طويلة مع الضوء والمواد الحساسة. وبعده بسنوات، جاء لويس داغير بطريقة الداغيروتيب، ثم أعلن ويليام هنري فوكس تالبوت عن تقنياته التي ساهمت في تطوير الصورة الفوتوغرافية وانتشارها.
سرعان ما اكتشف الإنسان أن الكاميرا شاهدا على العصر وشهادة على الزمان والمكان، بعد أن خرجت الكاميرا من الاستوديو واقتحمت الشوارع وساحات الحروب والثورات والمصانع والأحياء الفقيرة...
وشيئا فشيئا، أصبحت الصورة جزءا من الذاكرة الجماعية، وأصبحت قادرة على التأثير في الرأي العام.
وكم من الصور غيّرت العالم، وكم من الصور لم ينسها العالم ! ففي حرب فيتنام، أصبحت صورة كيم فوك، الطفلة التي ركضت عارية ومذعورة بعد إصابتها بالنابالم عام 1972 رمزا عالميا لبشاعة الحرب بعد أن ساهمت في تغيير مسار الرأي العام ضد حرب فيتنام.
في ساحة تيانانمن ببكين، عام 1989، وقف رجل مجهول أمام رتل من الدبابات. فلم تكن الصورة بحاجة إلى ترجمة عن وجع رجل أعزل في مواجهة آلة ضخمة.
في فلسطين، هزّت العالم سنة 2000 صورة محمد الدرة وهو يحتمي بظهر والده في غزة كي لا يموت... فإذا به يموت. وفي عام 2015، هزّت صورة الطفل السوري آلان كردي العالم. جسد صغير ملقى على شاطئ تركي، بينما كانت أوروبا تتجادل حول اللاجئين والأرقام والحدود. وكانت تلك واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الصورة الحديثة حين اختصر جسد صغير مأساة ملايين البشر.
من المؤكد، أنّ كل الصور التي غيّرت العالم ليس صور للحروب.فمثلا في عام 1968، التقط رواد «أبولو 8» صورة الأرض وهي تبدو ككرة زرقاء صغيرة معلقة في ظلام الفضاء.
ومن صور الحروب إلى صور الاحتجاجات والمجاعات والهجرة والكوارث، ظل المصورون يذهبون إلى الأماكن التي يفضّل العالم ألا ينظر إليها في معظم الأوقات. لكن الصورة ليست بريئة دائما. فالكاميرا لا ترى وحدها. هناك إنسان خلفها يختار أين يقف، ومتى يضغط على الزر، وما الذي يسلط عليه الضوء وما الذي يتركه خارج الإطار.
اليوم، أصبح كل هاتف تقريبا كاميرا، وأصبح العالم ينتج في ساعات ما كان المصورون ينتظرون سنوات كي يوثقوه. لكن وسط ملايين اللقطات، صور قليلة فقط قادرة على العبور من الشاشة إلى الذاكرة.